المقالة #00
قصة حياة أراتا
وFar Side of the Constraint
مرحبًا بالجميع، اسمي أراتا هوشينو. أودّ أن أحكي لكم شيئًا من قصة حياتي، وكيف انتهى بي الأمر إلى كتابة Far Side of the Constraint، وهي أطروحة في حجم كتاب تنظر إلى المستقبل من منظور الحضارة.

عام 2017: كل شيء تحويلٌ للطاقة
خطرت لي الفكرة وأنا في السنة الثانية من دراسة الهندسة الميكانيكية في جامعة واسيدا بطوكيو. كان ذلك نحو عام 2017، وكنت في التاسعة عشرة من عمري. وكانت واسيدا تقدّم آنذاك تخصصًا فرعيًا في ريادة الأعمال اختارته وزارة التعليم اليابانية ضمن أحد برامجها. وذات يوم جاء إلى الجامعة أحد الشركاء العامّين (general partner) في شركة سكرم فنتشرز (Scrum Ventures) محاضرًا ضيفًا، فأصغيت إلى كل كلمة قالها. ولاحقًا، ابتداءً من يوليو 2020، التحقت بشركته متدربًا. تحدّث عن أحدث اتجاهات التكنولوجيا في وادي السيليكون، لكن ما شدّني حقًّا كان حديثه الأوسع عن الحضارة. ولكي يشرح أين تقف التكنولوجيا اليوم، عاد بنا إلى الماضي، فحدّثنا عن اختراع الكتابة والتلغراف والمحرك البخاري وشبكات السكك الحديدية، وعمّا جاءت به كل ثورة صناعية وكيف جاءت به. ثم انتقل إلى الوجهة التي يمضي إليها المستقبل. كنت مأخوذًا تمامًا.
بعد ذلك شُغفت بكتاب باكمنستر فولر دليل تشغيل سفينة الفضاء الأرض وكتاب جارد دايموند أسلحة، جراثيم، وفولاذ، وانغمست في دراسات العلوم والتكنولوجيا (STS). وأكثر ما استولى عليّ وأنا في التاسعة عشرة فكرةُ أن كل ما حولي ثمرةُ تحويلٍ للطاقة. كنت أمشي في المدينة فأرى أن شبكة النقل ومحركات الاحتراق تحوّل الطاقة إلى حركة، وأن حرارة المكيّفات تأتي من تحويل الطاقة، وأن إنتاج الغذاء يحوّل ضوء الشمس إلى مادة عضوية. كانت فكرة أن كل شيء يرجع في النهاية إلى تحويل الطاقة تستحوذ على تفكيري. فبدأت أدوّن خواطري في ملاحظات.
كانت تلك الملاحظات تسير في اتجاه مختلف عن نقاش الاستدامة الذي كان طاغيًا يومها. كان اهتمامي ببساطة منصبًّا على تحويل الطاقة في حدّ ذاته، وكنت أقول إن التطبيقات التي يُفضي إليها هذا التحويل يمكن أن تصير أروع بكثير مما هي عليه. لماذا مثلًا قطعت وسائل التواصل الاجتماعي هذا الشوط الطويل، بينما لم تقصر مدة الرحلات الجوية، وهي التي يُفترض أن تمثّل تحويل الطاقة في أكفأ صوره؟ كانت حضارتنا تضع استثماراتها كلها تقريبًا في التكنولوجيا الرقمية (كنّا في عام 2017)، فلماذا لا نستثمر أكثر في جانب الطاقة، أي الجانب الفيزيائي؟ وهكذا بدأت أفكر في أنظمة نقل أكثر كفاءة، وفي الروبوتات بوصفها المحطة التي تنتهي إليها الطاقة بعد تحويلها.
عام 2018: الغايات والوسائل
في أواخر العقد الثاني من هذا القرن، كانت واسيدا من أبرز مراكز أبحاث الروبوتات الشبيهة بالإنسان في العالم، وكان في قسمي كثير من الباحثين المعروفين. لكنني كنت أتساءل في الوقت نفسه: لماذا يجب أن تتخذ الآلة هيئة إنسان كي تبلغ غايتها؟ وكان يؤرقني أن الوسائل والغايات قد تبادلت مواقعها. تخيّلت مجلات الخيال العلمي في الثمانينيات روبوتات تتسوّق نيابة عنّا، لكن ألم تحلّ أمازون محلها في النهاية؟ ومهما تقدّم الطيران، فإذا كان الغرض من السفر اجتماعَ عمل، أليست الاجتماعات عبر الإنترنت هي التي أغنت عنه في النهاية؟ كانت لدينا آلات لا تُحصى، من الآلة الحاسبة إلى الساعة والمؤقّت والميزان، وحيثما أمكن للبرمجيات أن تؤدي المهمة، حلّ محلها هاتف ذكي واحد. أليست حاجات كثيرة قد لُبّيت على هذا النحو؟
ومن ثَمّ، وبحلول عام 2018 تقريبًا، كنت قد وضعت قائمة بما لا يمكن استبداله أبدًا: توربينات توليد الكهرباء، وتحويل الحرارة، وإنتاج الغذاء، ونقل البضائع. فاتجه اهتمامي إلى هذه المجالات. وحين حان وقت اختيار المختبر عام 2018، انضممت إلى مختبر يُعنى بالديناميكا الحرارية وهندسة الطاقة، وعملت فيه على أبحاث التنقل الحضري والنقل.
عام 2020: تصميم الوسيط
بعد تخرجي في واسيدا عام 2020، ظللت مقتنعًا بأن الغايات أهم من الوسائل، من أي زاوية نظرت إلى الأمر. فالتحقت بكلية الدراسات العليا لتصميم الوسائط في جامعة كيئو، وهي كلية تُعنى بتصميم الوسائل، أي الوسائط، التي توصلنا إلى تلك الغايات، وتفرّغت فيها للبحث في تصميم الخدمات. والوسائط هنا لا صلة لها بوسائل الإعلام. تعلّمت هناك الكثير، وانتهيت إلى خلاصة: الهندسة الميكانيكية والآلات وتحويل الطاقة ينبغي أن تُستخدم حين تكون أفضل طريق لتقديم قيمة نهائية ما. ودرست كذلك منطق هيمنة الخدمة (service-dominant logic)، فشدّتني كثيرًا فكرته القائلة بنقل مركز الثقل من القيمة النقدية إلى قيمة الاستعمال، وهي فكرة تقلب منظور الاقتصاد التقليدي منذ آدم سميث.
عام 2023: ما الذي يصنع خياراتنا؟
ثم في عام 2023، بعد أن أتممت برنامج الماجستير CEMS MIM في HEC Paris وجامعة سنغافورة الوطنية (National University of Singapore)، بدأت العمل في سنغافورة، وانتبهت إلى أمر. قد تكون الخيارات التي نحسبها عقلانية محكومةً في الحقيقة بالظروف التي وُضعنا فيها. حين يرى أبناء جيل والديّ تنقّلي من اليابان إلى كاليفورنيا ثم فرنسا ثم سنغافورة، يسألونني وهم لا يكادون يصدّقون: لماذا تتنقل هكذا كأنك مغامر؟ قد يكون دخلنا المتاح للإنفاق أقل من دخل جيل آبائنا، لكننا بلا شك نتنقل أكثر منهم بكثير، في مسيرتنا المهنية وفي أماكن عيشنا على السواء. أليس ذلك لأن التكنولوجيا هيّأت الظروف التي تسمح لنا بأن نفكر هكذا، لا لأن قيمنا تغيّرت؟ ومع سقوط القيود واحدًا تلو الآخر، يصبح مجرد التفكير بهذه الطريقة ممكنًا، وربما لهذا السبب تتغيّر قيمنا نفسها.
أشعر بهذا بقوة وأنا أكتب هذه السطور في أكتوبر 2026. فبدلًا من أن نرى أنفسنا أناسًا يسلبهم الذكاء الاصطناعي وظائفهم، قد نرى أنفسنا أول جيل في تاريخ البشرية يُسمح له بأن يفكر بعقلية رائد الأعمال، وأن يضيق بثقافة الشركات التي توظفه. ومع تراجع الاعتماد على الجهد البشري، واتساع ما نستطيع إنجازه بمفردنا بفضل الذكاء الاصطناعي، بدأ حتى نموذج الوظيفة والراتب يتغيّر فعلًا. وربما أحسسنا بذلك من دون أن نعي، فصرنا نتصرف بعقلانية على أساسه. ينكبّ الناس على مشاريعهم الخاصة، بالذكاء الاصطناعي أو من دونه، بينما يكتفون في وظائفهم بدوام كامل بالحد الأدنى، مستعينين بأدواته، فيؤتمتون كل ما يمكن أتمتته ويبقون بعيدًا عن الأضواء. ولعل هذا الميل هو ما يقف وراء ما يُسمّى «الاستقالة الصامتة» (quiet quitting).
هكذا وصلت إلى مسألة السكان. كان ذلك عام 2023. كثيرًا ما نسمع أن الناس صاروا ينجبون أقل لأن قيمهم ومساراتهم المهنية تغيّرت. لكن هذا التفسير قد يكون هو نفسه نتيجةً لتراجع دخل الأسر، الذي لا يكاد يترك للناس خيارًا سوى الانصراف إلى مسيرتهم المهنية. بعبارة أخرى، ربما لم يختفِ فخ مالتوس قط. فإذا كان إنتاج الغذاء هو عنق الزجاجة في فخ مالتوس القديم، فإن نسخته الحالية تبطئ النمو لأن الدول المتقدمة لم تعد قادرة على تنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى من النوع الذي أكثرت منه الإمبراطورية البريطانية. وربما يكمن وراء ذلك كله سبب واحد. فأكثر ما يحدد كلفة مشاريع البنية التحتية الكبرى هو اجتماع نوعين من التفاؤل: إلى أي حد يمكننا أن نعوّل على طاقة تكاد تكون بلا حدود وبلا مقابل، وإلى أي حد يمكننا أن نعوّل على يد عاملة متاحة بالشروط نفسها. أضف إلى ذلك التوزيع الصحيح للثروة، فقد تنهض حضارتنا من جديد. وربما اخترنا خلال العقود الماضية، من دون أن ندري، وضعًا يقوّض هذا كله.
عام 2024: الانتقال إلى الإمارات
وبهذا التصوّر انتقلت عام 2024 إلى الإمارات العربية المتحدة، البلد الذي يجمع اليوم من هذه العناصر أكثر مما يجمعه أي مجتمع آخر. وعلى مدى العامين التاليين، عملت مستشارًا للوزارات الإماراتية في الاستراتيجية الاقتصادية، لدى شركة استشارية متخصصة في السياسات العامة واقتصاد الذكاء الاصطناعي، انبثقت من أوساط هارفارد ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
عام 2025: المسودة الأولى في ييل
قرّرت أن أجمع الكمّ الهائل من الملاحظات التي راكمتها على مدى ثماني سنوات أو تسع منذ عام 2017، وأن أنشرها. وأول من استشرته كان كي إيريزاوا، أعزّ أصدقائي منذ المرحلة الإعدادية، وهو اليوم طالب دكتوراه في الاقتصاد بجامعة ييل. إنه بمنزلة أخ لي؛ ففي عام 2012 كنّا في الصف نفسه في مدرسة كايجو الإعدادية والثانوية (Kaijo Junior & High School) في حيّ شينجوكو بطوكيو، وما زال قدوتي منذ ذلك الحين. وحتى حين كان في جامعة شيكاغو يجري أبحاثًا مع محافظ سابق للبنك المركزي الهندي، كنّا نتناقش في شتى الأمور عبر الهاتف. وكان هو أيضًا مهتمًا بقدرة الحضارة على البناء.
بدأ كل شيء بمكالمة هاتفية بيننا في سبتمبر 2025. ومن ثَمّ رحنا نتحدث عن الشكل الذي ينبغي أن يأخذه هذا المشروع. كتبت الملاحظات التي نشأ منها Far Side of the Constraint، ثم زرت صديقي كي في جامعة ييل بمدينة نيو هيفن في ولاية كونيتيكت، من نوفمبر إلى ديسمبر 2025. تبادلنا الأفكار وتناقشنا في مبنى قسمه، وكنت أنقّح النص في المكتبة حتى أتممت مسودة أولى. وصارت تلك المسودة النواة الأولى لـFar Side of the Constraint. وله مني جزيل الشكر والامتنان. والصور المرفقة بهذه المقالة التُقطت لنا في كونيتيكت.

عام 2026: جمع كل ذلك في Far Side of the Constraint
في يونيو 2026 قررت ترك وظيفتي بدوام كامل في الإمارات، فبدأت فترة الإشعار. وخلال تلك الأشهر أنهيت الأطروحة المؤلفة من 140 صفحة، وملخّصها الواقع في 20 صفحة.
السؤال الذي طرحته أول مرة وأنا في التاسعة عشرة صار حجة واحدة: أنّ ركود الاقتصادات، وانهيار معدلات المواليد، والثروة التي لم تعد تصل إلى الأسر، قد تنبع كلها من قيد واحد، هو تراجع قدرتنا على البناء على نطاق واسع. وتعرض المقالات العشر التالية هذه الحجة جزءًا بعد جزء، وتقوم كل واحدة منها على رسم بياني واحد.
أرجو أن تنظروا إلى هذا المشروع على أنه عمل جماعي كبير تشاركون فيه أنتم القرّاء، فلنفكر فيه معًا. ويسعدني كثيرًا أن تكتبوا إليّ.
بريدي الإلكتروني هو arata.h.hoshino@gmail.com وحسابي على LinkedIn هو https://www.linkedin.com/in/arata-hoshino/